المهندس الزراعي الناجح – قصة المهندس صلاح عطية

4

 

 

 

المهندس الزراعي الناجح

لم يعد الفكر العقيم الذي لازم عقول أبناء الوطن العربي مجديًا، فعلى مر العقود انطبع في أذهان الجميع أن خبير المجال الزراعيّ يقل قيمةً عن غيره من المجالات، حتى لو كان موظفًا بسيطًا في مصلحة حكوميةٍ بائسة، المهم أنه ليس فلاح!!

ولم يدرك شباب عالمنا العربي ما أدركه الغرب أن المهندس الزراعي الناجح ربما يكون هو الأكثر تأهيلًا لتصدر مجال ريادة الأعمال؛ لما تلقاه من علوم فنية وإدارية واقتصادية طوال سنوات الدراسة الجامعية في كلية الزراعة، يليها الخبرة المكتسبة في ميدان العمل.

حيث دائما ما يكون عمل المهندس الزراعي في مؤسسات واستثمارات تتجاوز الملايين وما يتضمنه هذا العمل من حساسية وضغط ومسؤولية، يكتسب المهندس الزراعي مهارات البيزنس والريادة سريعا خلال سنوات قليلة من حياته المهنية.

وكذلك لتنوع مجالات الزراعة وتخصصاتها التي تصل لأكثر من 15 تخصص، ومئات الأفكار والمنتجات الزراعية التي تصلح لإقامة مشروع زراعي ناجح.

المهندس الزراعي الناجح في نقاط

  • النجاح في المشروعات الزراعية ليس حكرًا على المهندس الزراعي؛ فأي مستثمر مهما كان تخصصه يمكنه تنفيذ مشروع زراعي وتحقيق النجاح فيه.
  • نجاح المهندس الزراعي يختلف تمامًا عن نجاح أي شخص آخر غير متخصص، فالمهندس الزراعي عندما يحقق نجاحا تتغير معه أحوال الناس المحيطين به جميعا، وتتغير معه حتي معالم الأرض التي يعيش فيها.
  • المهندس الزراعي يرعى النبتة الهشة ويراها تكبر أمام عينيه حتي تصير نباتًا وأشجارًا وثمرًا طيباً مختلفًا ألوانه رغم وحدة الماء والتربة، يرى بديع صنع الله في حركة وكل سكون.
  • كل عملية إنتاج يقوم بها المهندس الزراعي الناجح سواءً كان المحصول نباتًا أو دجاجًا أو حيوانًا، فدوره الوظيفي هو الرعاية والمراقبة وبالتالي فهو مجبول على التأمل وليس من رأي كمن سمع.
  • تبدأ الحياة أمام عينيه في شكل بذور يغرسها، يكبر النبات ويصير قويًا ونضرا ثم يعاني اصفرارًا وذبولًا وانتهاءً، كما الإنسان الذي حتما ستغرب شمسه مهما طال الأجل.
  • وبحكم بيئة عمله تتغير طباع المهندس الزراعي وتتغير نظرته للحياة، وتتأصل فيه الرغبة في جعل الكون كله جميلًا متناسقًا سعيدًا مبتهجًا، كما يراه في عالمه الصغير أو المزرعة التي يعمل بها.
  • وتتبلور تلك الرغبة وتتجلي عندما يصبح رائدا لمشروع ما، ويمتلك القدرة المادية لتجميل وتزيين بيئته واسعاد كل منه حوله.

قصة وصول ونجاح

من كان يتخيل أن مهندسًا فقيرًا ينتمي لأسرة متوسطة يمكنه أن يغير معالم قريته والقرى المجاورة، ويجعله الله سببًا في سعادة الآلاف من البشر المحيطين به وتتبلور إنجازاته في الآتي:

  • بناء معهد ديني ابتدائي للبنين.
  • إنشاء معهد ديني ابتدائي للبنات.
  • وإنشاء معهد إعدادي للبنين.
  • إنشاء معهد إعدادي للبنات.
  • وكذلك إنشاء معهد ثانوي للبنين.
  • إنشاء معهد ثانوي للبنين.
  • إنشاء بيت مال للمسلمين.
  • يتم التفكير  في إنشاء كليات بالقرية، وكلما تم التقديم على طلب التصريح لإنشاء كلية يقابل بالرفض لأنها قرية ولا محطة للقطار بها، والكليات لا تكون إلا بالمدن.
  • تم التقديم على طلب آخر للحصول علي ترخيص لإنشاء الكلية بالجهود الذاتية، وعمل محطة قطار بالبلد أيضا بالجهود الذاتية وتمت الموافقة.
  • ويتحقق الإنجاز ولأول مرة بتاريخ مصر يتم عمل كلية بقرية صغيرة، والكلية أصبحت كليتان وثلاثة وأربعة.
  • تم إنشاء  بيت طالبات يسع 600 طالبة، وبيت طلاب يسع 1000 طالب في القرية.
  • كما تم إنشاء محطة قطار وأصبح أي طالب بالكليات له تذكرة مجانية لركوب القطار للبلد لتسهيل الوصول اليها.
  • تم عمل بيت مال للمسلمين ولم يعد هناك فقيرا واحدا بالقرية.

المهندس الزراعي الناجح صلاح عطية

المهندس صلاح عطية رحمة الله عليه ابن قرية تفهنا الأشراف، ولد المهندس صلاح عطية 18 مارس 1946، وهو مهندس زراعي ورجل أعمال مصري من قرية تفهنا الأشراف بمركز ميت غمر بمحافظة الدقهلية.

واشتهر بأنه مؤسس جامعة الأزهر في قرية تفهنا الأشراف وهي أول حالة لوجود جامعة داخل قرية في قرى مصر.

بدأت قصة تجربة المهندس صلاح باشتراك تسعة من الشباب الذين تعارفوا خلال فترة التجنيد بالجيش، وفي عام 1974م، اتفقوا على إنشاء مزرعة للدواجن بعد انتهاء فترة تجنيدهم، تكلفت ألفين جنيه.

وخلال كتابة عقد الشركة قرروا تخصيص نسبة 10% من الربح لإنفاقها في وجوه الخير، وعندما وجدوا حصيلة الربح كبيرة جدا، وأكثر مما كانوا يتوقعون قرروا زيادة نسبة الإنفاق في سبيل الله إلى 20% من الربح في الدورة التالية شكرًا لله على ما تحقق من حصيلة كبيرة.

وكان نتاج الدورة التالية من الإنتاج غير مألوفٍ فقرروا زيادة النسبة من الربح إلى 30% وتكرر الإنتاج الكبير في الدورة التالية فزادوا النسبة إلى 40% وهكذا استمرت الزيادة إلى أن أصبحت 100% للإنفاق في سبيل الله تعالي من إجمالي 10 مزارع أو 10 مؤسسات نتيجة لكبر حجم مشروعهم واستثماراتهم.

مجمل إنجازات بطل قصتنا المهندس صلاح عطية وتأثيره في المجتمع:

قام المهندس صلاح عطية بالعديد من الأعمال في خدمة المجتمع من إنشاء معاهد دينية وحتى الوصول إلى إنشاء جامعة أزهرية بقريته تفهنا الأشراف، ففي عام 1984 م اجتمع المهندسان صلاح عطية، وصلاح خضر مع عمدة القرية للبدء في إنشاء مركز إسلامي متكامل بالقرية.

فلقد أنشأ 6 معاهد دينية أزهرية للمراحل المختلفة (ابتدائي – إعدادي – ثانوي) ومقسمة إلى ثلاثة للبنين وثلاثة للبنات ثم قام بإنشاء محطة سكة حديد والتي أعقبها بإنشاء كلية جامعية للشريعة والقانون، تلاها كلية للتجارة بنات ثم كلية لأصول الدين ثم كلية التربية بتفهنا الأشراف.

ثم قام ببناء المعهد الديني بقرية الصنافين التابعة لمركز منيا القمح بالشرقية، وبدأ تشكيل لجنة بالتنسيق مع أهالي القرية لجمع التبرعات وكان هو أول المتبرعين على الرغم أن تلك القرية لم تتبع محافظته.

ولم يغادر القرية إلا بعد جمع كافة التبرعات وبدأ إنشاء معهد بنين وبنات بالقرية، وبعد ذلك توسع في إنشاء لجان متخصصة للتنمية داخل القرية، فهذه لجنة للزراعة مكونة من المهندسين الزراعيين علي المعاش، لبحث كيفية زيادة إنتاجية المحاصيل المزروعة.

ولجنة للشباب تختص بشغل أوقات فراغهم، ولجنة للتعليم مكونة من نظار المدارس بالمعاش لرفع المستوي التعليمي بالقرية.

كان من نتاج هذه الأنشطة إنشاء بيت مال للمسلمين بقرية تفهنا الأشراف لجمع الزكاة وتوزيعها وكذلك إنشاء لجان المصالحة لإحداث السلام الاجتماعي بين أهالي القرية، بالإضافة إلى إنشاء عدد من المصانع وجعلها وقفا للإنفاق على المشروعات الخيرية بقريته.

كان بطلنا بعيدا كل البعد عن وسائل الاعلام، ولا يحب الظهور والتباهي بما أنجزه؛ فلقد صدق وعده مع الله، وكانت جنازته رحمة الله عليه جنازة مهيبة، شهدها الآلاف ودعوا له بالرحمة وتناولت أخباره وقصته وسائل الإعلام، ونعاه العديد من الشخصيات البارزة في المجتمع في 11 يناير 2016م.

الدروس المستفادة من نجاح المهندس صلاح عطية رحمة الله عليه:

  • السعي والإصرار وعلو الهمة والالتزام بتحقيق الأهداف وتحدي الصعاب وتجاوز العقبات والانتكاسات هي أساسيات للنجاح في ريادة أي عمل سواء زراعي أو غير زراعي.
  • تعج مواقع الانترنت بقصص نجاح العصاميين، ورواد الأعمال، وكيف أنهم حققوا أحلامهم بالإصرار والطموح والشغف وغيرها من المعاني.
  • ولكن لم يتطرقوا كثيرا لنقطة التمويل وكيف بدأ هؤلاء الناجحين ريادة أعمالهم، فجميعهم قاموا بتجميع المال اللازم للبدء سواء من الشراكة مع أصدقاء أو الحصول علي قروض ودعم من منظمات حكومية أو غير حكومية، وخير مثال الملياردير الصيني جاك ما فقد دعمته الصين كثيرا حتي تمكن من منافسه العمالقة أمثال جيف بيزوس، إيلون ماسك وغيرهم.
  • الشاهد هنا أنه لا شيء يبدأ من العدم والطموح والشغف وحدهم غير كافيين، وفي ذلك رسالة لكل مهندس زراعي وهي:
    • لا تشعر بالإحباط لحوزتك أفكارا ناجحة لمشروعات زراعية يمكن تنفيذها ولكنك لا تملك رأس المال اللازم لتنفيذها، أو تجعل حلم  الاستقلال وريادة الاعمال هو المسكن أو المخدر المؤقت كلما سعيت للبحث عن وظيفة ولم توفق.
    • لابد أن تعمل في وظيفة أولا وتتحمل مرارتها، أولا لتكتسب الخبرة، وثانيا لتجمع المال اللازم لبدء مشروعك الخاص، أما الأحلام الكثيرة المعتمدة علي قراءة القصص، لن تكون حقيقة وواقعا أبدًا طالما لا تمتلك عنصر الخبرة ورأس المال اللازم للبدء.
  • إذا ما طالعت الموقع الالكترونية الزراعية الأجنبية ستجد بشكل يومي قصصًا لنجاح مزارعين تحولوا لأثرياء من مشاريعهم الزراعية البسيطة، وذلك لنشر ثقافة (صناعة الزراعة) وحث الشباب علي الاهتمام بها والاتجاه لإقامة مشروعات زراعية.
  • ناهيك عن الدعم المادي المقدم لهؤلاء الشباب وبالأخص في أمريكا وكندا وتلك أقوى وأكثر دول العالم تقدما في الزراعة، فما بالك بنا وبمجتمعاتنا التي تعتبر مهنة المهندس الزراعي فلاحة ومحط سخرية.
  • تلك الثقافة الزراعية نحن أحوج إليها وإن نقص الدعم الحكومي، فأولى بنا أنا نستخرج كنوزنا بأنفسنا ونفتش عن كل ناجح في المجال الزراعي وما أكثرهم.
وأخيرًا

ننشر قصة هذا المهندس الزراعي الناجح حتي نستفيد منها وتكون لنا نبراسًا ونورًا نواجه به ظلام الفقر الثقافي الزراعي في مجتمعاتنا، وفي الحقيقة لا يتوقف الأمر على إفادة طلبة المجالات الزراعية.

فالفقر الثقافي الذي ألمّ بعقول شبابنا وشعورهم الدائم بالعجز وقلة الحيلة أيًا كان تخصصهم وأيا كان مجالهم، يجلو هذا الفقر الثقافي قصة مثل قصة بطل اليوم.

Show Comments (4)