التدوين العربي الإلكتروني وأرباح المدونات العربية

4

 

 

 

سلسلة أرباح المدونات وكذلك التدوين العربي الإلكتروني، استكمالًا للحديث عن مأساة و مشاكل التدوين العربي الإلكتروني!

توقفنا في الجزء السابق عند ظهور وانتشار التدوين المرئي، المتمثل في قنوات اليوتيوب والتي كانت بمثابة الكارثة والضربة المزلزلة للتدوين المقروء، بعد أن بدأ التدوين العربي الإلكتروني في الاستقرار والحركة نحو التقدم مرة أخري.

وغابت نظرة التشاؤم، والإحباط التي سيطرت على معظم المدونين العرب، بدأ ظهور مدونات عربية متخصصة وتقدم محتوى ذا قيمة، وبدأ يسطع نجم كتاب عرب موهوبون وعلى قدر عالٍ من الموضوعية والثقافة، وأيضا بدأ العرب يقرؤون، وأدركوا قيمة القراءة والعلم.

جاءت قنوات اليوتيوب وأخذت في صفها فئة عريضة، أو بالأحرى كل الجمهور العربي، حيث المحتوي الشيق الجذاب والمتنوع، وتشاهد بكل أريحية، ولست مضطرا للصبر على جهد وملل القراءة.

ولكن للأسف كان أغلب  المحتوي المرئي المقدم للجمهور العربي كان عبارة عن اللا شيء أو اللا قيمة إلا قلة قليلة من قنوات اليوتيوب كانت تقدم محتوي مفيدا للمشاهدة ، سواء كان محتوي تربويا، أو دينيا، أو علميا، أو تعليميا، أو ترفيهيا ولكن يلتزم بالذوق العام للمجتمع.

 

التدوين العربي الإلكتروني

مجالات التدوين العربي

قنوات سياسية

المؤيدين والمعارضين لسياسيين أو نظام حكومي معين، ومحتوي الطرفين عبارة عن صراعات وشجارات، وكشف أسرار وفضائح كل طرف للأخر، والجمهور يشاهد ويتسلى.

قنوات تعرض يوميات الحياة الشخصية

تقليدا لأفكار الغرب وجمعا لللايكات، والمشاهدات لم يتردد أصحاب مثل هذه القنوات عن عرض كل شيء عن حياتهم، ماذا أكلوا؟ أين ذهبوا للمصيف؟ مقالبهم الشخصية.

منهم من أصابته الدولارات بالجنون فأصبح لا مانع لديه من عرض زوجته دون حجاب أو بملابس لا تليق، واقعا تحت إثم الدياثة، دون أن يبالي، ممتعا جمهوره بأدق أسراره وخصوصياته وحياته الشخصية.

 

 

 القنوات الجنسية والمثيرة للغرائز تحت مسمى الثقافة الجنسية

مقدمو المحتوى في مثل هذه القنوات استغلوا الجنس، والحديث عنه كوسيلة لجمع اللايكات والمشاهدات، فتارة يتحدثون عن سرعة القذف، وأخرى يتحدثون عن كيفية الممارسة، وتأثير العادة السرية.

ولا يخفى علي أحد كم الجمهور المتجمع على قناة تعرض محتوى جنسي في مجتمع عربي، أغلب شبابه يكافحون ليلا و نهارا لكي يتزوجوا وتحول الظروف الاقتصادية بينهم وبين العفة والحلال.

 

 

مباريات كرة القدم وأجمل الأهداف وأجمل التعليقات وكل ما له علاقة بالرياضة

طبيعي أن يكون المحتوي الترفيهي له معجبين بالملايين، ومشاهدين، ولو كلفهم ساعات تضيع يوميا في مشاهدة هذا النوع من المحتوى.

الأخبار والتعليق علي الترندات العالمية والمحلية

لو كانت المدونات الإخبارية المقروءة أكثر جمهورًا وأكثر ربحًا فما بالك بقنوات اليوتيوب والمحتوى المرئي للأخبار.

شروحات البرمجة والربح عبر الإنترنت

مئات القنوات بملايين المشاهدين كيف تربح $500، و$1000 وشروحات وشروحات بنفس الطريقة الاستدراجية لعالم التدوين عند بداية ظهور المدونات، ومعها ملايين الملايين الذين يريدون أن يربحوا حتي لو دولارا واحدا.

كلمة ربح وحدها كانت المسكن والمخدر لكل طامح يائس فاقد الأمل في واقع وطنه الاقتصادي.

قنوات الطبخ

طبيعي جدا أن تشتهر قناة للطبخ وسط مجتمع يجلس بالساعات؛ لمشاهدة محتوي ترفيهي، ولا يتحمل أن  يقرأ عشر دقائق متواصلين، ولكن لا نقصد هنا التقليل من محتوي الطبخ والوصفات.

قنوات اللا شيء (العبث)

تحت هذا العنوان يمكن أن نضع كل ما يسمي بالمهرجانات، والأغاني السوقية، والكلام السفيه، ومقاطع البلطجة والفوضى، والإدمان والجنس المقتصة من الأفلام والمسلسلات، ومقاطع الرقص والخلاعة، والقنوات التي تعرض العته، والتخلف والعبث الموجود على تطبيق  التيك توك وغيره .

وقد كان لهذا النوع من المحتوي المرئي أثرا كبيرا على التدوين العربي الإلكتروني والمحتوى المقروء، وكذلك على المبدعين والكتاب من الشباب العرب، فما أقسى من أن تسهر لتقرأ وتجمع وتحلل لتخرج بمقال يقدم فائدة ملموسة ويحث الناس على القراءة وقيمة العلم والمعرفة.

وأنت بمحتواك الذي بذلت فيه ليالي وقرأت وترجمت وحللت وقارنت لتبسط وتيسر وتوضح؛ لتنشر الوعي، وترقي بأمة كاملة. وفي النهاية لا يقرأ محتواك  سوي أنت!!

لك أن تتخيل مثلا رواد التدوين وأصحاب أول مدونات عربية منذ أكثر من 15 سنة يكتبون محتوى ذو قيمة أكثر من 15 سنة يحافظون على بقائه للجمهور العربي من جيبهم الخاص.

آملين في تأدية رسالتهم وجعل الشباب العربي يقرأ ويدون، ويعي قيمة التدوين ومهما كانت الأرباح ضئيلة، أو بالكاد تكفي لتجديد الاستضافة والدومين، وغيرها من مصروفات الموقع ولم ييأسوا ولم يستسلموا.

 

صحوة التدوين العربي الالكتروني

كان واقع التدوين العربي الإلكتروني مأساويًا ولكن كما هي سنة الله في الأرض وأن ما بني على باطل فهو باطل، ومصيره الزوال، و أما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض .

اجتاح وباء الكورونا دول العالم، ومعه تراجعت قيمة محتوى العبث أو اللا شيء، تراجع كل ما هو سفيه من محتوى مرئي، أو حتى مقروء، وأدرك العالم العربي بأسره قيمة العلم والقراءة والبحث العلمي والتدوين.

تخيل لو أن العالم العربي والذي يتعدى مئات الملايين من البشر عددا، لو نصفهم يدون، ويقرأ، و يحلل في مجاله، ويتم ضخ محتوى عربيا قيما متنوعا على الشبكة العنكبوتية .

ندعم بعضنا بعضا، كنا ربحنا جميعا أموالا تكفي لإجراء بحوث علمية، و إنشاء معامل بحثية، ومشاريع استثمارية، توفر الإنتاج، وفرص العمل، و تنسيق خدمات ميدانية تطوعية وسهولة التواصل، والترتيب، والتعامل مع بعضنا وقت الأزمات والكوارث.

وقتها كان التعامل سيكون بين أفراد مجتمع يقرأ، مجتمع مثقف، مجتمعٍ ذا وعي وفكر.

مدعوما من عند الله بنعمة التوحيد  والعقيدة، مكتفيا بأعظم نعمة من الخالق عليه وهي نعمة الإسلام ووحدة اللغة واللسان.

لا مجتمعا يجتمع على مهرجان، أو تافه يعرض حياته الشخصية وأهل بيته دون ذرة حياء، أو عاهرة تعرض مفاتنها، أو سياسي يسب ويلعن ويفضح في من يعارضه، مجتمع يجلس بالساعات أمام مباراة كرة قدم، ويتكاسل عند قراءة تاريخ الصلاحية لمنتج يستهلكه.

بعد جلاء الوباء، ستعود الأمور إلى نصابها بعد أن أدرك الناس جيدا قيمة العلم والمعرفة، ولن يرضى أبدا بشر عاقل نجاه الله من الموت بفيروس لعين ..أن يضيع الباقي من حياته في عبث ولا شيء.

 

والآن:

أقولها من موقعي هذا سيعود التدوين كما كان، بل أقوى وستكون الحاجة إليه أكثر من أي وقت مضى؛ فالشباب العربي سيشتاق للمعرفة والعلم ، ولن يرتبط بقيود الجامعات ولا المناهج الحكومية.

فهلمو يا مبدعي العرب، وعلمائه ، ومثقفيه ، ومفكريه، دونوا واكتبوا، وأثروا المحتوى العربي الإلكتروني بعلمكم، وتحليلاتكم، وأبحاثكم ومقالاتكم، أحيوا الوعي في المجتمع قبل أن تدونوا لتربحوا.

وإن دونتم بصدق ربحتم ولن يكون الربح ماديًا فقط، انشروا النور والهداية لكل حائر متشوق للمعرفة

تلك كانت تجربتي مع التدوين العربي الإلكتروني ، والذي أراه الوسيلة والأداة الرابحة الفعالة، لنشر الوعي والفكر، والثقافة بين أفراد المجتمع والذي بقوة أفراده لا محال سيصبح مجتمعا قويا لا يقهر.

بعدما وجدت الإجابات لأسئلتي التي طرحتها في الجزء الأول، قررت عن اقتناع أن أكمل في هذا الاتجاه (التدوين ) دون كلل، أو استسلام، أو ملل مهما كانت النتائج ، كما فعل وما زال يفعل أساتذتنا وقادتنا من رواد التدوين العربي الإلكتروني.

Show Comments (4)