الربح من التدوين العربي – تجربتنا في موقع ريستارت

4

الربح من التدوين العربي، تجربتي الخاصة في التدوين، مأساة التدوين العربي الإلكتروني!

تحدثنا في الجزء الأول بعنوان الربح من التدوين العربي الإلكتروني عن مفهوم عملية التدوين الإلكتروني وأقسامها، وكذلك كيفية إنشاء مدونة والفرق بين المكونات المدفوعة والمكونات المجانية من شركات الاستضافة والدومينات؟

الربح من التدوين العربي

مستوى التدوين العربي الإلكتروني حاليًا

قبل الحديث عن الربح من التدوين العربي، دعونا نعرف أين وصل الآن؟ وللوصول لإجابة أقرب للصحة لابد من معرفة معنى التدوين وقيمته وتاريخه على مستوى الحضارات الحديثة والقديمة.

التدوين:

هو تسجيل وكتابة الأفكار والمعارف والتحليلات، و الأخبار والتجارب الشخصية، والعلمية والاستنتاجات سواء النفسية والاجتماعية، أو العلمية، أو المواد والمحتوي الترفيهي.

الهدف منه:

هو حفظ المعرفة والخبرات و توثيقها أولا، ومشاركتها وعرضها للمجتمع ثانيا لكي تقدم فائدة و تنمي الوعي، أو تقدم حلا لمشكلة، أو تحذيرا من أخطاء ستقود لنتيجة سيئة.

أو هي نصائح وشروحات؛ لتحقيق النجاح أو الوصول لهدف ما في أي مجال من المجالات.

و ليس الهدف منه تقديم أي محتوى؛ لمجرد الحشو حتى لوكان حياتك الشخصية، ونشاطاتك اليومية، التي لم ولن تضيف أي شيء لقارئها.

التدوين على مر التاريخ ومختلف الحضارات

أي حضارة من الحضارات القديمة كانت التدوين ملازما لها، وكيان أساسي من مكوناتها، الحضارة القوية عبارة عن مجتمع ذو وعي ومعرفة وثقافة، وعقول مليئة بالأفكار والمعارف، عقول مبدعة شغوفة بالمعرفة، ومقدرة لقيمة العلم والبحث والقراءة.

أمثلة:

الحضارة الفرعونية في مصر:

ما تركوا حجرا ولا معبدا ولا مقبرة ولا ورقة بردي حتي توابيت الموتى والتماثيل والمسلات، إلا ودونوا عليها أفكارهم وتجاربهم، فحجر شمبليون بفك رموزه مكن من دراسة الأسرات الحاكمة في فترة زمنية ما.

فتجد علي حائط معبد نصائح حكيم لابنه، أو حاكما لشعبه، تجد وصفات لأعمال زراعية وتجارية، تجد توثيق لحروب وأساطير دونوا نقشا برموز كأشكال الطيور على أحجار؛ لكي يحفظوا المعرفة ويتبادلوها.

حضارة سومر وبابل في العراق وما جاورها من حضارات قديمة في بلاد الشام واليمن:

وهم أقدم من الحضارة الفرعونية واتبعوا نفس النهج في التدوين والكتابة حتي علي الحجارة والصخور.

العرب في العصر الجاهلي:

برغم طغيان المبادئ الجاهلية مثل وأد البنات، ومعاقرة الخمر ، وعبادة الأصنام ، إلا أنهم كانوا مقدرين للفن والأدب، الرديء والسيء من القول والفكر والبيان والشعر، وكانوا أحرص الناس على تدوين المعلقات الشعرية، أي مقال نثريا يقدم فائدة، أو يوثق تاريخا، وكتابتها على جلود الحيوانات، وتعليقها على الكعبة؛ إدراكًا لقيمتها.

الحضارة الإسلامية:

منذ بزغ نور الإسلام وأقيمت دولة الإسلام، وبعد أن كان القرآن الكريم محفوظا في صدور المؤمنين تم جمعه وكتابته؛ لإدراك المجتمع وقتها بقيمة التدوين، وحفظ وتسجيل ومشاركة المعرفة وأنه أساس قوة أي مجتمع.

بتوالي القرون على الحضارة الإسلامية، إلا وانكب علماؤها وباحثوها على التدوين في القراطيس والرقع، مستخدمين أدوات بدائية كالريشة والمحبرة، ورغم الصعوبات وقلة الإمكانيات، أنتجوا لنا أمهات الكتب، والمجلدات في الفقه، والسنة، والحديث.

و اتسمت وقتها الحضارة الإسلامية بالقوة العلمية والفكرية والعسكرية مثل أي قوة وحضارة حالية، والتي ترجمت لمجتمع أفراده ذوي فكر وبحث وثقافة، خرج من بينهم ابن سينا، وابن رشد، وابن الهيثم، والرازي والخوارزمي والفارابي وغيرهم الكثير.

فتم تدوين ملايين الكتب، والأبحاث في شتى المجالات الفيزياء الكيمياء، الهندسة، الطب، الفلسفة.

الحضارة الأوروبية:

لمجاورتهم حضارة المسلمين في الأندلس؛ أدركت أوروبا قيمة الكتب، والتدوين والقراءة والبحث؛ لبناء مجتمع قوي يستمد قوته من قوة أفراده المثقفين ذوي الفكر.

انكبوا على قراءة وترجمة ودراسة كل ما دُوّن في شتى الحضارات القديمة وصولا لحضارة المسلمين، كتب علماء المسلمين كانت أهم مراجعهم، ولم ينبذوا العلم كونه كُتِبَ ودُوّنَ واستنتج على أيدي من يخالفهم في العقيدة، أو بالأحرى أعدائهم.

كبرت الحضارة الأوروبية، وعظمت بكبر عقول وأفكار أفرادها، وتبدل الحال من قارئين دارسين لما دونه علماء المسلمين والحضارات القديمة إلى محللين ومبدعين، ومضيفين للبشرية علوم وأفكارا جديدة؛ فخرج منهم إسحق نيوتن وتسلا وماكس بلانك وأديسون.

وتلك كانت نتيجة طبيعية لمجتمع يقرأ و يبحث ويحلل ويدون وليس مجتمعا مستهلكا فقط، قاتلا للوقت في العبث.

باستمرار حفاظ أفراد الحضارة الأوروبية على القراءة والتدوين، وتغذية العقول والوعي، والاستكشاف كبرت الأفكار وتوالى الزمان وظهرت أمريكا.

استمر البحث ولم يضعف الأفراد أبدا؛ فقد ورثوا حب القراءة والتدوين والتحليل، وإدراك قيمتها من آبائهم وأجدادهم فظهر تشارلز بابيج مخترع الحاسوب، والسير تيم بيرنرز لي مخترع الشبكة العنكبوتية العالمية والتي تعرف بالويب.

بداية التدوين الحديث (الإلكتروني)

ظهور الربح من التدوين

وكانت النتيجة بزوغ العالم الرقمي والحاسوب وأخيرا الإنترنت، واتخذ التدوين عالما جديدا سواء بوجود أدوات للتدوين، أو أدوات لنشر المعرفة، وتبادلها على مستوى العالم في لمح البصر.

استمرت الحضارة الغربية قوية؛ باستمرار قوة عقول ووعي أفرادها، فقدوا ورثوا القيمة أبا عن جد، وأصبحت مكونا أساسيا من مكونات حياتهم القراءة والبحث والتحليل والتدوين و لم يتخذوها رفاهية.

تقدم العالمي الرقمي، وظهرت الكتب الإلكترونية، وملايين المدونات، وأساطير في هذا المجال، وشركات مثل أمازون لبيع الكتب ونشرها.

الغرب كلهم بلا استثناء يقرؤون  فكان لابد من تطوير أساليب وأدوات نشر المعرفة فظهر قارئ أمازون كندل، والووردبريس.

وقد حققت هذه التجارة حفاظا وسيولة وغزارة في تبادل الفكر والمعلومات بين أفراد المجتمع، كما حققت أرباحا بمليارات الدولارات تعادل ميزانيات عدة دول عربية مجتمعة .

 ظهور التدوين الإلكتروني في العالم العربي

ذاع صيت المدونات بقيام الحرب على العراق في العام 2003، وفي نفس العام ظهرت أول مدونة عربية حقيقة على يد الإماراتي عبدالله المهيري صاحب أول مدونة عربية سردال، وصاحب مدونة صفحات صغيرة حاليا.

_ و في العام 2005 ظهر مدونة شبايك لصاحبها المصري رؤوف شبايك  والذي أثر كثيرا بكتاباته ومحاولاته في العالم الرقمي لبيع الكتب الرقمية وتبنيه مبدأ العصامية وبناء الذات في عالم التدوين العربي بشكل كامل.

هذان المدونان هما رائدي التدوين الإلكتروني في العالم العربي، و ريادتهما ليست فقط بالسبق في البحث، والدراسة، والترجمة، والتعلم، وبناء هذه المدونات كأول مدونات عربية، ولكن ريادتهما في المثابرة والاستمرارية طوال تلك السنوات المنقضية دون كلل ، أو استسلام ، أو فقدان العزيمة حتي يومنا هذا.

برغم واقع التدوين العربي الإلكتروني المحبط ، فجزاهم الله عنا كل الخير ، وحفظهم أينما كانوا.

ومن مبدأ: أن تأتي متأخرا خير من أن لا تأتي أبدًا

بعيدًا عن الربح من التدوين وإدراكًا لقيمة وأهمية التدوين والمدونات، انتشرت المدونات العربية كالنار في الهشيم، وتنوعت المجالات التي تتناولها، وظن خيرا أن الشباب العربي قد استفاق من سباته وغفلته، ووضع قدمه على أول الطريق من جديد.

طريق القراءة والبحث، و التحليل والتدوين، ونشر المعرفة وتقوية العقول والوعي، وبناء المجتمع.

لكن للأسف خيبت الآمال، وحدث عكس المتوقع وتبين أن انتشار ثقافة التدوين العربي الإلكتروني وقتها، كان اتباعا للموضة وتقليدا لا أكثر.

أما الأسوأ من خيبة الآمال، فقد كان الدراما التي حدثت بتوالي السنوات في عالم التدوين العربي الإلكتروني، والأحداث، والإحباطات، والنتائج من نجاحات وإخفاقات للمدونين، والمعايير التي حددت نجاح أو فشل نوع ما من التدوين عن آخر، وصولا  للعام الجاري 2021 عام وباء الكورونا COVID-19.

ماذا حدث للتدوين العربي الإلكتروني؟ هذا ما سنعرفه في الجزء القادم إن شاء الله.

Show Comments (4)