الكسب من التدوين العربي – تجربتنا في موقع ريستارت

0

 

 

عند البحث عن الكسب من التدوين العربي لا ننسى مناقشة مأساة ما حدث مع المدونين العرب! وقد توقفنا في الجزء الثاني عند بداية ظهور التدوين العربي الإلكتروني، وانتشار المدونات العربية كالنار في الهشيم كونها موضة وقتها.

ماذا حدث بعدها ولماذا لم يحقق التدوين العربي الإلكتروني النقلة الثقافية، والوعي ونشر المعرفة كما كان يعلق عليه من آمال؟؟

بعد أن ذاع صيت المدونات خلال حرب العراق 2003 وإطلاق رواد التدوين العربي الإلكتروني لمدوناتهم، بعدها ظهرت ألاف المدونات العربية ولكن أغلبها اختفي كما بدأ ولم يستمر، و كأن شيئا لم يكن.

 

الكسب من التدوين العربي

أسباب فشل التدوين العربي الإلكتروني

السبب الأول: ضعف الأهداف

فقد كان الاتجاه للتدوين لأغلب الشباب العربي الذين قرروا إنشاء مدونة لتحقيق أحد الأهداف الآتية:

  • اتخاذ المدونة مساحة حرة للتعبير عن الآراء السياسية بطريقة آمنة باسم مستعار، بعيدا عن الخوف من القمع والاعتقال، وللأسف انتهى مصير أغلب المدونين السياسيين بالطرد من بلادهم أو السجن.
  • تحقيق الربح المادي؛ بغض النظر عن المحتوى (كما ونوعا)  ما يهم هو تحقيق أرباح ولو بضعة دولارات.
  • تحقيق الشهرة ولو بنشر الكذب والإشاعات أو محتوي يثير الغرائز.
  • تماشيا مع الموضة والظهور بمظهر المثقف حتى لو بكتابة العبث واللا شيء.

 

 

السبب الثاني: ظهور مواقع التواصل الاجتماعي

وكون الفرد العربي أصلًا مجبورًا على القراءة، ولم تكن أبدا شيئا أساسيا في حياة العرب، إلا القليل من أصحاب الفكر والوعي، كانت مواقع التواصل أفضل وأكثر جذبا من المدونات.

وهذا بسبب صغر حجم محتواها فلا حاجة للقراءة كثيرا، وتنوعه ما بين صور جذابة ومقاطع فيديو، وتواصل ومحادثات بين الأصدقاء والأقارب أو أشخاص جدد.

والأهم كانت إشباعا للفضول بمعرفة أسرار وتفاصيل حياة الآخرين وخصوصياتهم، والتي تنشر على صفحاتهم الاجتماعية بكامل إرادتهم حتى لو كانت الطعام الذي تناولوه في وجبة العشاء.

وتحولت مواقع التواصل الاجتماعي لأداة ترفيهية واجتماعية وأكثر وسيلة للتسلية والتهمت معظم وقت الشباب العربي، فاستسلم أغلب المدونون الجدد واتجهوا كما الجمهور لمواقع التواصل، وتركوا التدوين.

 

 

السبب الثالث: غياب الدافع للتدوين

فقد كان الدافع لإنشاء مدونة هو ما كتبه أصحاب المدونات التقنية والبرمجة عندما حفزوا الشباب لإنشاء المدونات في سبيل الكسب من التدوين العربي:

وكانت مقالاتهم لا تخلوا من نماذج حقيقة لأصحاب مدونات أجنبية حققوا بالفعل ملايين الدولارات شهريا، لكنهم لم يتوقفوا قليلا ويحللوا محتوى هذه المدونات ولماذا حققت هذه الأرباح المهولة؟

أمثال: TechCrunchو Mashable و Perez Hilton.

ولم يذكروا أن:

  • اعتماد أغلب  هذه المدونات على السبق والحصرية في نشر الأخبار التقنية بالإضافة لاحتراف التقنية والبرمجة وسط جمهور هو من ابتكر الحاسوب والإنترنت، وسط جمهور يقرأ من مئات السنين منذ أن كانت الكتب تسمي قراطيس.
  • نشر فضائح الفنانين والإشاعات التي تحوم حولهم، وأسرارهم الخاصة سلعة مربحة جدا وسط جمهور يهتم جدا بالفن والفنانين ولا يعتبر فضائحهم الجنسية، وأخبارهم ، سواء كانوا فنانين، أو أناس عاديين أمر محرم شرعا وخلقا ودينا ومبدأ _ عند جمهور العرب وقد خاب من ظن أنه يكسب دولار بخسارة أخلاقه.
  • أخبار السيارات والمحركات وأحدث الإصدارات، حتما أن تكون سلعة رابحة وسط جمهور قادر ماديا على اقتناء هذه السيارات، أو بالأحرى هم مصنعيها ومبتكريها، ولن تكون رائجة وسط جمهور يعيش براتب بالكاد يكفي إيجار سكنه ومتطلبات أسرته.
  • المدخول الرئيسي لأغلب المدونات أصحاب الملايين كان العضوية والاشتراك المدفوع، وأنك إذا تجرأت وذكرت كلمة مدفوع للجمهور العربي على شبكة الإنترنت، فلن يكون نصيبك هجر مدونتك وخسارة جمهورك فقط، بل ستوصف بالمنتفع والمستغل والمتاجر وقد تصل لاتهامك بالجنون واللصوصية.

 

 

السبب الرابع: عدم وضوح الصورة

فقد كانت كانت عملية التحفيز من أجل الكسب من التدوين العربي  استدراجية ولم تكن صريحة مكتملة الوضوح.

ما أسهل خطوات إنشاء مدونة ، وما أسهل تعبئتها بأي محتوى، وهذا ما اكتظت به بعض مدونات التقنية، والشروحات حتى المدونات المتخصصة بمجال بعيد تماما عن التقنية.

اضطر صاحبها للكتابة عن إنشاء مدونة وأرباحها ؛ ليجذب الجمهور ويجلب  الحركة داخل موقعه، فامتلأت المدونات بعبارة كيف تنشئ مدونة وتربح 1000 دولار شهريا متبوعة بخطوات سهلة بسيطة.

ولكن لم يقولوا:

  • لكي تستمر مدونتك ولا يضيع محتواك ومجهودك، وتستخدمها كوسيلة ربح تحتاج قطعيا لمكونات مدفوعة من دومين و استضافة، وأن المجاني منها كمن يحرث في البحر.
  • الموضوع لا يقتصر على كتابة ما يجول في خاطرك،  أو تراه يقدم فائدة بل هناك قواعد تنظم السوق (السيو SEO) وأنك مطالب باتباعها؛ لكي يصلك جوجل بجمهورك، فلابد من تعلمها وتعلم كيفية تطبيقها.
  • أنك ستحتاج لأدوات لا غنى عنها، وهي مدفوعة وحتى لو كانت مجانية ستحتاج لمبرمج لتنصيبها لك وتفعيلها، وبدونها ستكتب لنفسك فقط، ولن يقرأ لك أحد.
  • التدوين لتقديم قيمة ومعرفة، ونشر وعي هي أهم رسالة وأهم هدف يجب أن تكد وتضحي ببعض المال لبداية تدوين جاد وهادف وليس لهثا وسعيا وراء الكسب من التدوين العربي.

فكانت نتيجة عدم الوضوح وتقديم الصورة غير مكتملة، واستخدام سياسة الاستدراج وتحمس الكثير جدا من الشباب العربي لإنشاء مدونات.

وفي غضون شهور استسلم أغلبهم بلا رجعة تاركا عالم التدوين للأبد، مبغضا له، وخصوصا الذين بذلوا جهدا في إضافة محتوي باستخدام أدوات مجانية، و بمخالفة بسيطة بقصد أو دون قصد تم حظر مواقعهم، دون سابق إنذار وضاع مجهودهم وإبداعهم، ومعه ما اكتسبوه من جمهور .

ولنكون منصفين وحيادين هناك الآن مدونات تقنية عربية تقدم الحقيقة كاملة وواضحة دون مبالغات أو استخدام عناوين براقة بأرقام مغرية.

 

مجالات التدوين العربي

وبالتالي يمكن القول أن المدونات العربية ضمت الأنواع الآتية:

مدونات التقنية والبرمجة:

وهي الأكثر شيوعا في المحتوي العربي، ومهما كثرت و تشابه محتواها ، إلا أن هذا النوع يقدم محتوي تعليمي بالعالم الرقمي، وهو المحتوي الذي سينقل المجتمع العربي إلي هذا العالم، ويعلمه كيف يتواجد فيه ويكون أداة معرفة وعلم وبحث وقراءة.

مدونات ومواقع الأخبار:

سواء وكالات أخبار محلية أو عالمية وهذا النوع من التدوين يربح كثيرا، فلا غنى للبشر عن معرفة الأخبار في ظل الكوارث والأوبئة، والمشكلات الاقتصادية والسياسية التي يضطرب بسببها العالم بأسره في أيامنا هذه.

ولذا لابد من استثناء نجاح هذه المواقع في تحقيق أرباح، وعدم استخدامها كأداة لتقييم نجاح أو فشل  التدوين العربي الإلكتروني.

مدونات علوم ومعرفة في الصحة والأدب والزراعة ومختلف العلوم أو ما نسميها  المدونات العامة:

هذا النوع حقق نجاحا كبيرا ويعتبر باعثا للأمل، و مبشرا بأن التدوين سيكون يوما ما الأداة التي تجعل الشعوب العربية تقدر قيمة العلم و القراءة، والبحث والمعرفة في رفعة المجتمع، و بناء نهضته وقوته، وخير نموذج يذكر هنا مدونة موضوع و مدونة ثقف نفسك.

مدونات شخصية وكتابات خواطر وآداب كالقصص القصيرة والروايات والتجارب الشخصية ونصائح اجتماعية:

سواء كانت ذات محتوي قيم أم لا، وجد هذا النوع من التدوين الإلكتروني وانتشر في المجتمع العربي، وهذا النوع هو الأصل في التدوين وتطويره، وتنقيحه يعتبر بداية لتطوير المحتوي العربي.

مدونات الشركات المدونات التجارية:

وهي التواجد الرقمي للشركة في عالم الإنترنت، ومحتوى هذه المدونات عبارة عن دعاية وتسويق وشرح وتوضيح لمنتجات الشركة، وسياساتها وأهدافها ورؤيتها …إلخ ، والهدف منها تصدر محركات البحث بهدف الانتشار والتسويق للشركة وخدماتها.

الأمر الجيد والباعث على العمل، وعدم اليأس والإيمان بفكرة التدوين الإلكتروني والمرجع  الذي يكتسب منه المدونون العرب الجدد والقدامى قوتهم وإلهامهم كأداة لنشر  الثقافة والمعرفة، وأيضا لتحقيق دخل.

فليس عيبا أن يكون العالم الرقمي مصدرا للدخل، فنحن لسنا  أقل من الغرب الذين كونوا ثروات تعادل ميزانيات عدة دول مجتمعة من العمل على العالم الرقمي.

كان هم رواد التدوين العربي الإلكتروني الذين أنشأوا أول مدونات عربية مؤمنة بالتدوين وقيمته، واستمرارهم لسنوات طويلة حتى الآن.

برغم التعرض لصدمات عديدة مثل ظهور  موضة التدوين واكتظاظ الشبكة بالعبث والهراء، تلاها ظهور مواقع التواصل وانفضاض الناس عنهم مهرولين إلى العملاق الأزرق والأخضر والبرتقالي.

ظلوا صامدين ممولين لمدوناتهم على نفقتهم الشخصية؛ لكي يستمر محتواهم يشع نورا ويهدي كل حائر باحث عن العلم والمعرفة ودخول عالم التدوين العربي الإلكتروني عبر مواقعهم شبايك و صفحات صغيرة.

واستمر حال التدوين العربي الإلكتروني على هذا المنوال، من التردد بين التفاؤل تارة، وبين التشاؤم والإحباط تارة أخرى، ومرت سنوات .

حتى حدثت مأساة أخرى، وفاجعة للتدوين العربي الإلكتروني، وليتها اقتصرت على عزوف الجمهور عن المحتوى المقروء فقط، بل بحسابات الأرقام. والأرباح أيضا ، كانت النتائج بمثابة سهاما اخترقت عقول المدونين العرب ، وأصحاب الفكر والوعي .

ماذا حدث ؟ ولماذا مأساة أخري ؟ هذا ما سنعرفه الجزء القادم إن شاء الله .

Leave a comment